طوّر باحثون في مجموعة أبحاث الشحن والمحيطات بجامعة لندن (UCL) إطار عمل مبتكراً يُعنى بتقييم مخاطر التحول المناخي على مستوى السفن الفردية، في خطوة من شأنها إحداث نقلة نوعية في أدوات التقييم المستخدمة حالياً.
ويهدف إطار العمل الجديد، الذي يحمل اسم "المرونة المناخية"، إلى سد فجوة كبيرة في أدوات التقييم التقليدية التي تعتمد في الغالب على بيانات الانبعاثات التاريخية أو حالة الامتثال الراهنة أو صورة لحظية لأداء السفينة. وكشفت الجامعة أن المنهجية المبتكرة تختبر السفن وفق 384 تركيبة متسقة وداخلية من الافتراضات التنظيمية وأسعار الوقود وتكاليف التكنولوجيا.
وسيتم تطبيق هذه الطريقة مبدئياً على أكثر من 2000 سفينة تجارية من سجل أساطيل "كلاركسونز" العالمي، لإنتاج درجة مخاطر تعكس أداء كل سفينة في ظل مجموعة واسعة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة. ويركز إطار العمل على تقييم مخاطر التحول على مستوى السفن في ظل حالة عدم اليقين المحيطة باللوائح المستقبلية وأسعار الوقود وتكاليف التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة ماري فريكوديت، الباحثة الرئيسية في مجموعة أبحاث الشحن والمحيطات بجامعة لندن والمؤلفة الرئيسية للدراسة: "التقييمات الحالية تعتمد عادة على مجموعة محدودة من السيناريوهات ولا تأخذ في الاعتبار قيمة المرونة في ظل عدم اليقين". وأوضحت أن الإطار يستند إلى تحليل الأصول العالقة ولكنه يستخدم نظرية الخيارات الحقيقية، حيث يُنظر إلى قدرة السفينة على التكيف عبر تغيير نوع الوقود أو تحديثها أو تأجيل الاستثمار كمصدر للقيمة الاقتصادية وليس مجرد وسيلة للتحوط.
وأشارت إلى أن مخاطر المناخ في قطاع النقل البحري ليست متساوية، فالسفن التقليدية غير الفعالة ذات الإمكانيات المحدودة للتحديث تواجه مخاطر تنظيمية وتكنولوجية مباشرة، في حين تواجه ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال وناقلات البضائع من الصب الجاف المرتبطة بالفحم مخاطر إضافية تتعلق بالطلب، لأنها تنقل الوقود الأحفوري الذي يسعى الاقتصاد العالمي إلى تقليصه.
جدير بالذكر أن دراسة سابقة أجرتها جامعة لندن (UCL) كشفت أن أكثر من 40% من السفن عالمياً تنقل الوقود الأحفوري، محذرة من أن التحول بعيداً عنه قد يؤدي إلى فائض في الإمدادات بالنسبة لهذه السفن. وأكد ملخص الدراسة أن نوع السفينة مهم، لكن عمرها وكفاءتها وخيارات الوقود المتاحة وجاهزيتها للتحديث تُعد أكثر أهمية. ونبهت معدة الدراسة إلى أن التوقيت يكتسب أهمية بالغة، حيث تُتخذ قرارات الاستثمار في قطاع الشحن قبل استقرار الإطار التنظيمي بشكل كامل.
يأتي ذلك في وقت تستهدف فيه استراتيجية المنظمة البحرية الدولية (IMO) لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري الوصول إلى صافي انبعاثات صفري من الشحن الدولي بحلول عام 2050 أو ما يقاربه، مع نقاط تفتيش استرشادية لعامي 2030 و2040. وستُطبق أداة المنظمة البحرية الدولية المقترحة للوصول إلى صافي انبعاثات صفري على السفن التي تزيد حمولتها الإجمالية عن 5000 طن، وذلك بالجمع بين متطلبات كثافة استهلاك الوقود وآليات التسعير.
وتشير الدراسة إلى أن السفن التقليدية غير القابلة للتحويل تُصنف ضمن الأصول الأكثر خطورة، في حين أن جاهزية التحديث وكفاءة الطاقة وتقنيات مثل الدفع بمساعدة الرياح من شأنها تحسين قدرتها على الصمود. كما أن السفن القديمة ذات الكفاءة العالية، سواء التقليدية أو التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال، قد تمثل استثمارات أقل خطورة من حيث المناخ، نظراً لقدرتها على الحفاظ على المرونة في ظل حالة عدم اليقين الحالية بشأن سياسات المنظمة البحرية الدولية.
من جانبه، أكد مايكل باركر، الرئيس السابق لجمعية مبادئ بوسيدون، أن البنوك تحتاج إلى أدوات لتحديد مواطن تركز مخاطر التحول في محافظ الشحن. فيما أوضح الدكتور تريستان سميث من جامعة لندن (UCL) أن الإطار لا يهدف إلى التنبؤ بالسفن الرابحة، بل إلى تزويد قطاع الشحن بطرق "بسيطة وشفافة وقابلة للتكرار" لمقارنة المخاطر بين خيارات الأصول والتصميم.
ويُنتظر أن يكون لهذا الإطار الجديد انعكاسات مهمة على قطاع الخدمات اللوجستية والتخليص الجمركي والاستيراد والتصدير في مصر والعالم، حيث يسهم في توفير رؤية أكثر شمولاً لتقييم المخاطر المرتبطة بتغير المناخ على أصول الشحن، وهو ما ينعكس على قرارات التمويل والتأمين وسلاسل الإمداد، مما يعزز من قدرة المتعاملين في هذا القطاع الحيوي على التخطيط لمستقبل أكثر استدامة.